أنا{حسن محمد أمين مصطفى}المشهور ب{حسن بنجويني}كنت من سكنة محلة{هوارة بةرزة} في مدينة السليمانية، وفي سنة 1982 على طريق بغداد- السليمانية وأثناء ذهابي إلى دورة علمية لمدرسي اللغة العربية اصطدمتْ سيارتنا بأخرى فانكسرتْ رجلي كسرا مهشما، وبقيت على الفراش ثلاث سنوات متواليات. ولما رفَضْتُ الانخِراطََ في سِلكِ الجَيْشِ الشعبي صدر الأمر الإداري بطَرْدِي عن الوظيفة، حسبَ الإخْطار المرقم 202 في 4 / 1 /1987 .
وبقيت مفصولا بدون راتب، وقبل ثلاثة أيام من السجن أرسَلتْ إليََّ مديرةُ الذاتية في تربية السليمانية كتابا لمقابلتها، فلما قابلتُها قالتْ: كان لنا اجتماع في بغداد حول قضية المدرسين المفصولين عن الوظيفة بسبب عدم ذهابهم الى الجيش الشعبي، وفي ذلك الاجتماع وأثناء الكلام أنا ذكرتُ اسمَك ودافعتُ عنكَ شخصيا، وقلت لهم: إنه مدرس قدير، و في طريقه إلى الدورة التربوية التي نحن أرسلناه إليها انكسرتْ رجلُه، وهو معذور إن لم يذهب إلي الجيش الشعبي.. وهم قرروا أن يعيدوك إلى الوظيفة في الأيام القليلة القادمة..
وفي 11/1/ 1987 لما جاء إليَّ مختارُ محلة {هوارة بةرزة} قال لي: أنت الأستاذ حسن محمد أمين ؟ قلت: نعم.. قال: هل كان عندك معاملة إعادة التعيين؟ قلت: نعم.. قال: أخبرني مدير أمن البلدة بأنه جاء أمر إعادتك إلى الوظيفة.. وهو يريدك ليسأل عنك عدة أسئلة ليرسلها إلى ديوان رئاسة الجمهورية فورا، كي لاتتأخر عن الوظيفة!!
وبهذا انخدعتُ وذهبتُ معه، ولما دخلتُ على مدير أمن البلدة، سألني عن إسمي وعن مسقط رأسي.. فلما أجبته، قال: إذنْ أنت حسن بنجويني؟ قلت: نعم.. قال: أمِرتُ بسجنك.. قلت: لماذا؟ قال: ستعلم بعد حين.. قلت: إنا لله وإنا إليه راجعون..
وفي نفس اليوم و بعد صلاة العشاء قادوني إلى مديرية أمن المحافظة أمام معمل السيكاير في السليمانية.. ولما دخلتُ أمنَ المحافظة استقبلوني بالشتم والضرب، ثم أخذوني إلى غرفة التحقيق، فوجدتُ مديرَ أمن البلدة جالسا وحوله عدد من الضباط الآخرين.. فسألني عن بعض الأشخاص الذين اعترفَ عليهم الدكتور عصام الراوي الذي اعْترف عليَّ!.. أجبته بالنفي .. وقلتُ: لاأعرفهم.. لأنه ليس لي علاقة بهم..
أخرجوني إلي غرفة الانتظار ليتصلوا ببغداد.. وبعد مدة أعادوني إلى غرفة التحقيق مرة أخرى، وقالوا اتصل بصاحبك.. فلما استلمت السماعة وجدت الدكتور يتحدث.. وقال لي بالحرف الواحد: والله يشهد أنا لم أخنك، ولم أخن الجماعة، ولكنْ انكشفَ أمرُنا ، ولذا أنا اعترفتُ بكل ماأعرفه، واعترفْ أنتَ أيضا بكل ما تعرفه!!
وبكل ما أوتيت من قوة صحتُ بوجهه وقلتُ له: ماذا عَمِلتُ؟ وماذا أعرفُ؟ حتى أعترفَ عليه؟ لِمَ لمْ تَتقِ الله فيَّ؟ فقال: انت حر واختر لنفسك ماتشاء..
ثم أخذ مني السماعة مدير أمن البلدة، وخاطب رئيسه في بغداد قائلا: سيدي! هو يصيح بوجه صاحبه ليوهمنا بأنه لايعرفه!!
أمهلوني تلك الليلة وقالوا لي: نعطيك هذه الليلة فرصة لتفكر جيدا، فإذا تذكرتَ أخبرنا عنهم.. ثم أخرجوني من الغرفة، وقادوني إلى قاعة ثانوية الوطن التي أستخدموها كغرفة استقبالٍ للسجناء الجدد، وكان فيها حوالي ثلاثٍ وتسعين سجينا، وكان لكل هؤلاء مرحاض واحد!!
وبعد عدة مرات من الاقتياد إلى غرفة التحقيق، والضرب والصواعق الكهربائية، والتعذيب النفسي والجسمي، أخَّروا تسفيري إلى بغداد، كي يقبضوا على الإخوة الذين اعترف عليهم الدكتور عصام وهم: برهان محمد أمين، و آزاد سراج، و حمة رشيد {ماوةتي}، ولله الحمد لم يستطيعوا القبض عليهم، فأخذوا {الحاج رشيد الصوفي} مكان الأخ حمة رشيد ماوةتي.
في اليوم 22/ 2 / 1987 وبعدما لم يجدوا الأشخاص الذين اعترف عليهم الدكتور عصام أُرسِلتُ - مع الحاج رشيد الصوفي، و شاب آخر من حزب الدعوة اسمه قاسم البصراوي – إلى الأمن العامة ببغداد، وفي عصر متأخر وصلنا البنايات التابعة للأمن العامة، وهناك عدة فروع و أقسام، و قادوني مع الحاج رشيد إلى شعبة مكافحة الرجعية!!، وأخذوا قاسم إلى مكان آخر..
واقتادونا إلى بناية ذات عدة طوابق، ودخلنا الطابق الثالث، وكان الصعود علي صعب جدا.. واقتادونا إلى غرفة المدير، بدأ بالسؤال عن الحاج رشيد، ثم توجه إلي بالسؤال وقال: ما اسمك؟ قلت: حسن.. قال: بنجويني؟ قلت: نعم..
وفي تلك اليلة أخذونا إلى قسم الزنزانات الانفرادية، وبعد التفتيش أخذوا كل مالدينا من السروال، والقمصلة، والحزام، و حتى عصاي التي كنت أتوكأ عليها.. والجو كان باردا جدا.. واقتادونا كالأسير الحربي إلى زنزانة رقم: 22، وكان طول الزنزانة وعرضها 2م × 2م ، وفيها تواليت، ولكن لم نجد فيها الفراش.. ماعدا أربع بطانيات باليات!! أدخلونا في الغرفة وسدوا علينا الأبواب، وكل منا افترش واحدة منها وتغطى بالأخرى..
وبعد مدة وجيزة أخذونا للتحقيق في البناية العالية، أوقفونا للانتظار في الممر، لم يدم طويلا أن جاء ضابط شرِّير يطير الشرر من عيونه،و ركلني بحذائه، وشتمني سبا، ثم طلب من الجنود أن يأتوا بالدكتور عصام، فأتوا به، ثم أخذه إلى الحاج رشيد، وقال: هل هذا حمه رشيد ماوةتي؟ بعد أن دقق فيه قال: لا.. ثم أتوا به إلي وسألوه: هل هذا حسن بنجويني؟ بعدما دقق فيَّ وأتوا بنظارته، ثم لبسه، فقال: نعم، هذا هو..
فلما سلَّم عليَّ الدكتور نهرتُه وقلتُ له: متى عملتُ معك؟ لماذا أعترفتَ عليَّ زورا وبهتانا؟ ألا تتقي الله يارجل؟ انزعج الضابط بكلامي، فضربني ركلا، و ضربني بعصاي الحديدية ضربة على ساعدي آلمني كثيرا..
ثم اقتادوا الدكتور إلى غرفته، وأخذوني إلى غرفة التحقيق، ثم تبين لي أن عصام الراوي تحدث لهم حول كل صغيرة وكبيرة.. وباختصار وجيز سألوني عن كل من التقيت بهم في بغداد أيام الدراسة في الكلية، وأنا أجبته عن كل من لقيته باختصار، وبدون الاعتراف بالعمل معهم..
مثلا سألني عن الدكتور عصام كيف أعرفه؟
قلت لهم: إن أباه كان يدرسنا في الجامعة، وكان يحبني كثيرا، لما سمع بانكسار رجلي، كلف ابنه عصام أن يأتيني ويواسيني نيابة عن والده.. وإلا لم تكن بيني وبين عصام أية علاقة..
ثم سألني عن الأخ صباح الملا حسين كيفَ اتصلتَ به؟ قلتُ: لم يكن بيني و بينه اتصالٌ بالمعنى السياسي، أنا كنت أعرفه كمصلٍ في المسجد، إذ أنَّ بيتَه كان قريبٌ من مسجدنا..
ثم أكد على كيفية الاتصال بيني و بين الأستاذ صلاح الدين محمد بهاء الدين، وكان يصر أن يعرف كيف بدأنا بالعمل، وكيف أنشأنا التنظيم الجديد!! وأنا لم أعترف بأية اتصال تنظيمي به، وكنت أنكر التنظيم وإنشاء حركة مخفية، لما رأى أني أنكر كل علاقة تنظيمية معهم، بدأ يهددني وقال: قل صدقا، وإلا سآمر بجلب زوجتك للتحقيق..!!
قلت: تحدثت لك صادقا.. قال: لا .. لم تقل صدقا.. قلت: لاتصدقني لأن هذا الكذاب اختلق أكاذيب لكم؟! فلما سمع مني هذا الكلام بدأ يسبني ويشتمني بكلام بذئ جدا.. ثم قال: أنت كذاب، وهو لايكذب، وتحدث لنا صادقا.. ثم دعا شرطيا وقال له: سد عيونه، واشدد الكهرباء عليه!! ولكن الشرطي اقترب مني ولم يعمل شيئا.. وقلت:" إنا لله وإنا إليه راجعون"..
وبعد برهة من الصمت القاتل، أخرج من تحت منضدته عدة تصاوير.. للعلماء والدعاة كيف فعلوا بهم.. كان يشيب من هوله الأطفال.. !! ثم طلب من الحراس غاضبا وقال لهم: يالله أخرجوه من عندي.. فلينتظر بره..!! نعم، أحمد الله تبارك وتعالى أن غلبت نفسي ولم أعترف بشيئ مما هو يسألني عنه..
وفي الصباح الباكر أطلقوا صراح الحاج رشيد الصوفي، وبقيت بوحدي في الزنزانة.. وفي الليلة القادمة أخذوني مرة أخرى للتحقيق، والضابط كان يكرهني كثيرا، فيسبني ويشتمني ويتفل في وجهي، وكان يحاربني حربا نفسيا!! ولكن الله رحمني و سلمني إذ أخذت نفسي ولم أعترف، ثم بدأ يكتب ويسألني من يوم ولدت لحد تلك الساعة!! وكان يسجله بإيجاز، ثم طلب مني توقيع ماكتبه هو. وقلت له: إما أن تقرأ علي ماكتبته، أوأعطني حتى أقرأه أنا، كي أعرف ماذا كتبته!! فلما سمع مني هذا الكلام غضب غضبا شديدا فكان يرفس ويفسق، يشتم ويسب.. وقال: لم أكتب شيئا سوى ماقلته.. فوقعته اضطرارا، ثم طردوني من الغرفة، حتى أنتظر.. وبعد مدة دعى شرطيا ليأخذني إلى زنزانتي.. بقيت في الزنزانات الانفرادية شهرين كاملين لم يكن معي أحد، ليعلم الله وحده فقط كم تأذيت في تلك المدة..
وفي 22/4/1978 نقلوني إلى الزنزانة التي فيها الدكتور عصام الراوي، ومحمد السامرائي، و زكريا السوري.. وبقيت معهم في تلك الزنزانة حتى اقتادؤنا في بداية تموز لمحكمة الثورة في ابي غريب.. ثم بدأوا بالتحقيق معنا مرة أخرى.. ولكن لم يصدروا الحكم علينا في تلك الجلسة، واعادونا مرة أخرى إلى السجن، ولكن السجن الجديد لم يكن كالسجن السابق..بل كان نوعاما أحسن من السابق، إذكان باستطاعتنا أن يرى بعضنا البعض، إذ أن جدار الغرف من أشياش الحديد، كأن الغرف قفص حديدي كبير..
وفي اليوم 16/7 أخذونا إلى محكمة الثورة في أبي غريب مرة أخرى، ولكنهم كانوا مشغولين بسجناء آخرين، لم يستطيعوا الشروع بمحاكمتنا.. وبعد انتظار طويل أكثر من أربع ساعات أعادونا إلى السجن مرة أخرى وإلى الغرف الإنفرادية السابقة..
وفي اليوم 23/7 أخذونا إلي المحكمة مرة أخرى. وفي هذا اليوم شرعوا بمحاكمتنا وأصدروا حكم الإعدام بحق خمسة منا، منهم الدكتور عصام الراوي و محمد السامرائي.. وحكموا على الأكثرية بالسجن تتراوح مددهم بين ثلاث سنوات و عشرين سنة.. كما وأصدرت المحكمة حكما ببراءة مجموعة منا لأنه لم يثبت عليهم شئ: منهم أنا حسن محمد أمين، و المهندس قاسم التركماني، والدكتورإبراهيم الأرمني المسلم..