ئاگادارییه‌کی گرنگ
به‌ ناوی خوا
خوێنه‌رانی به‌ڕێز ڕاژه‌کاری پێنجوێنی به‌ر له‌ چه‌ند ڕۆژێک تووشی کێشه‌ی په‌پکه‌ڕه‌قه‌ بوو، که‌ به‌و هۆیه‌وه‌ سه‌رجه‌م وێبگه‌کانی سه‌ر ئه‌و ڕاژه‌کاره‌ له‌ کارکه‌وتن، که‌ به‌داخه‌وه‌ وێبگه‌ی پێنجوێنیش یه‌کێک بوو له‌و قوربانیانه‌.

پاش چاک کردنه‌وه‌ی کێشه‌ی په‌پکه‌ڕه‌قه‌که‌، بۆمان ده‌رکه‌وت که‌ خاوه‌ن ڕاژه‌کاره‌که‌ پاڵپشی تازه‌ی بۆ نه‌کردووه‌ و به‌ پێچه‌وانه‌ی گرێبه‌ستی نێوانمان کاره‌کانی کردووه‌.

ئێمه‌ش به‌ به‌رده‌وام له‌ هه‌وڵی چاره‌سه‌رکردنی چاره‌سه‌رکردنی کێشه‌کانین.
ئه‌وه‌ی ئێستاش جێگای نیگه‌رانییه‌ ئه‌وه‌یه‌ که‌ ئه‌گه‌ری گه‌ڕاندنه‌وه‌ی بابه‌تی ساڵی ڕابردوو زۆر که‌مه‌.

ئێمه‌ جارێ جگه‌ له‌ داوای بووردن له‌ خوێنه‌رانی هێژا هیچی ترمان له‌ده‌ست نایه‌ت.

دڵسۆزتان
به‌ڕێوبه‌ر
23.1.2012
في حاشية جبل قنديل

تنحنح قليلا ثم شرع في قصته قائلا:

كان الزمن صيفا ، ودرجة الحرارة مرتفعة ، وكاد عقرب الساعة يقترب الثانية عشرة ليلا، وكنت جالسا في مضجعي ، متكئا على وسادتي، واضعا خدي على كفتي وراحتي، حيث أصابتني الأرق، وطار النوم من عيني، فكنت بين أمواج الخيال المتلاطمة، تتنزل عليّ الأفكار تترى، وتمر الذكريات أمامي، وكأني أمام شاشة التلفاز، أرى المشاهد المأساوية التي عشتها أيام طفولتي، - وأكثر المشاهد كانت مأساوية تراجيدية- واشتد ألمي برؤية مشهد منها أكثر من غيره، حيث اقشعر له بدني، واستولى الهم على قلبي، وكدت أبكي لما لاقيته من العذاب، وها أعرض عليكم جانبا منه:








حينما كنت غلاما صغيرا، ويتيما معدما، كان الفقر مستوليا علينا، فطلبت الخبز- الرقيق اليابس- من والدتي، فقالت: فتشوا سلة الخبز، عسى ولعل أن تجدوا فيها الخبز الكسع، والله ماوجدنا فيها شيئا من فتات الخبز!!

فاشتكينا عندها، فقالت – والأسف يعصر قلبها - : يابني! اذهبوا إلى الجبل واقتطفوا في الغابة قليلا من العفص، وبعد عودتكم سيكون الخبز مهيئا لكم بإذن الله، واعتقد أنها أرادت بذلك إغفالنا وإلهائنا، كي لانلح عليها بدون جدوى..

نعم! ذهبنا وسلكنا الطريق نحو الغابة، وكما لايخفى أن الطريق الجبلي طريق وعر، وأنا لابس حذاء (جاش كه وش)([1]) ولكثرة تعثري واصطدامي بالأحجارانشقت حذائي من طرف الأمام، وانجرحت أصبعي، وأخذ الدم ينزف منها، وكنت مرتديا سروالا مصنوعا من شعر الماعز، فاحمرت فخذي من شدة خشونته، وكنا نمر بين الأعشاب والأشواك المؤذية، أمثال الشكاعي، والحسك، والكعوب التي تلسع أرجلنا من أخمص القدمين إلى أعلى الفخذين وتدميها!!

وبعد تعب ونصب وصلنا منطقة الأشجار، وبحثنا عن العفص شجرة شجرة، واقتطفنا مايقارب عن كيلويين، ولما اشتد جوعنا توجهنا مضطرين نحو أشجار العرموط والكمثرى الجبلية، وأكلنا منها حتى شبعنا، صدِّقني حينما رجعنا إلى البيت ما وجدنا خبزا ولا رغيفا!!

نعم تشخصت أمامي هذه الصور المؤلمة من أيام طفولتي، ونعومة أظفاري، وأنا أتجرع مرارة دخان السيجارة لتتعانق في الأعماق مع مرارة ذكريات الطفولة، وتجاوز الوقت منتصف الليل، وجهاز التبريد يأخذ الدخان ليوصله إلى حيث نام أولادي..

وفي هذه الأثناء استيقظت أم الأطفال وقالت: سامحك الله يارجل! مالكَ لا تنام؟ وتتجرع الدخان تترى، وكأنكَ تريد خنقنا وخنق نفسك!! ألا ترحم بنا؟!

فقلت لها: جزاك الله خيرا، أعطني قدحا من الماء، سأشكرك كثيرا ثم أنبئك بحالي، ولِمَ طار النوم من عيني..

لبت طلبي وشرَّبتْني ماء باردا، فقالت: قل لي بربك، لماذا لاتنام؟ أراك منذ مدة وأنت متغير، تدخن أكثر بكثير من السابق، وتسهر الليالي إلى مابعد منتصف الليل، لماذا تخفي عني و لا تتحدث عما حدث لك؟! ألا تعتمد علي؟ ألست شريكة حياتك؟

قلت لها: صدقيني أعتمد عليكِ كثيرا، وأثق بكِ غاية الثقة، سأحدثك عما جرى لي، ولا أكتم عنك شيئا، هل تتذكرين قبل أسبوعين، حينما عدت من مدينة (ضوار قورنة)([2])

قالت: نعم، وماذا كان؟

قلت: وجدت في الطريق لقطة كبيرة.. قالت: كيف؟

قلت: بعدما اشتريت البضائع وشحنتها في العربة المقطورة وراء الساحبة (التراكتور)، سلكنا الطريق الثانوية، غير المعبدة، لأن البضاعة كانت ممنوعة لدى الحكومة مع كونها عراقية، سلكنا طريق( كاني قولَكة)([3]) الترابي، ورأينا هناك عددا من الدراسات تحصد الحنطة والشعير، وصادفتنا صيار (قطيع من البقر) تتجه نحو مدينة رانية، فاقترح علي سائق الساحبة تغطية البضائع بالسيقان والأعشاب المكدسة هناك، فاستحسنت اقتراحه، وباركت رأيه، فبدأنا بجمع سيقان الحنطة، وحزمات الأعشاب، فاتجه السائق نحو الجنوب، واتجهت صوب الشمال، نأتي بالأعشاب ونضعها على البضائع، وبعد مدة من جمع الأعشاب ارتطم قدمي بشيء، أهملته في البداية، ثم قلت في نفسي: الأولى أن أعود إليه عسى أن يكون زمزمية ماء، أوكمية من القثاء نترطب بها أفواهنا في هذا الحر، نعم عدت إليه، ولكنني رأيت مالم يأت ببالي، ولم أتصوره بخيالي!!

قالت: لاتكن مطنبا يارجل! كاد عقلي أن يطير، قل لي بربك ماذا رأيت؟!

قلت: مهلا، ولا تستعجلي ياعزيزتي! رأيت كيسا نايلونيا، وفي داخله كيس آخر، وفي جوف الثاني منديل أصفر معقود الأطراف، مملوء بالدنانير العراقية!! كم كنت فرحا جزلا بهذا المشهد! ظننت أنها نعمة الهية أنعمها الله علي، ولذا شكرته كثيرا، ولم يك لدي وعاء أضع فيه الكيس، غير أنني كنت لابسا لباسا قصيرا، ومرتديا سروالا طويلا، فنزعت السروال الطويل، ووضعت فيه، ولممته فلففته بحزمة من السيقان، وألقيته داخل العربة، واشتغلت بجمع السيقان وحزمات أخرى من الأعشاب، وما تحدثت أنا لصاحبي عما حدث، ولايدرى هو بالأمر، ولذا حينما رآني سافرا عاري الساقين، قال لي مازحا: لماكشَّفت ساقيك يارجل! هل تريد نرى جمالهما؟!!

فقلت له مازحا أيضا: هذه هبة الله، وليس لنا حول ولا قوة، فنشكره على عطائه، ونرضى بقضائه..

ثم تهيَّئنا للرحيل، وتحركنا حتى وصلنا مضيق (سةنطةسةر)([4]) على الطريق المعبد، وكما تعلمين هناك نقطة للتفتيش، حينما رأى الجنود حمل عربتنا ظنوا أنه أعشاب فقط، ولذا لم يقوموا بتفتيشها، بل قالوا لنا: خلوا الطريق، واذهبوا بسرعة، و اتركوا المكان، فأسرعنا ولم نتوقف لحظة، حتى وصلنا بسلام بوابة المجمَّع(مجمع بةستةسيَن)([5]) وقبل الدخول إلى المجمع نزّلت الأعشاب من على العربة، ثم جئنا إلى البيت.

لما وصلنا البيت توقفنا أمام باب المحل الكائن في حياط دارنا، وقبل أن أمد يدي إلى أي شيء آخر أخذت السروال وجئت به إلى غرفة النوم، فأخرجت الكيس ولبست السروال، وأغلقت الباب بإحكام، ثم ذهبت مسرعا لتفريغ البضائع، وكان الناس يأتون لشراء البضائع، فهذا يريد سكرا، وذاك يطلب معجونا، والآخريريد رزا، إلخ.. وهكذا كنت مشغولا جدا..ولكن قلبى وفكري عند الكيس، فاغتنمت فرصة مواتية، فتركت المحل واتجهت نحو الغرفة..

هل تتذكرين حينما قلت لكِ: سأدخل الغرفة، فاغلقي الباب علي بإحكام، وإذا سألكِ عني أحد، قولي له لا أدري؟!

قالت: نعم، أتذكر جيدا..

قلت لها: حين فتحت المنديل شرعت بعدّ الدنانير، رأيت المبلغ يناهز عشرة آلاف دينار عراقي([6])! ومعه ربع دينار مختوم، وبعد العدّ رتبته وصفته كما كان، فوضعته في المنديل ثم في الأكياس، وبعد ذلك حفرت له حفرة في المطبخ، ولففت الأكياس بغطاء نايلوني آخر، ثم وضعته في الحفرة، وألقيت عليه التراب، ووطئته جيدا..

قالت: سبحان الله!! حدث كل ذلك ، و أنا لا أدرى به إلى الآن!!

قلت: نعم، صحيح، ولم يدر به أحد غيري سوى الله سبحانه..

قالت: ولكنني خمنت أن هناك شيئا، فأنت تسهر كثيرا، ولا تنام الا قليلا، ولكن قل لي بربك، ما ذا تريد أن تفعل به الآن؟

قلت: اصبري قليلا لأكمل لك القصة، ثم اسأليني..

قالت: حسنا..تفضل..

قلت: كنت في هذه المدة أعيش مع صراع داخلي عنيف، صراع الإيمان مع الشيطان، صراع الخير مع الشر، الحق مع الباطل..فما استطاع أحدهما أن يتغلب على الآخر إلا اليوم..

قالت: وكيف؟

قلت: كان شيطاني يقول لي: لا تخسر هذا المبلغ الكبير!! ولا تفكر أصلا بإرجاعه إلى صاحبه، باسم الدين، أو الإنسانية، أو تحت مسميات أخرى كالضمير..و.. الخ..هذه لقمة سائغة، أرسلها الله لكم خصيصا، حيث هجرتكم الدولة قسرا من قريتكم الجميلة، وبساتينيكم الرائعة المملوئة بالأشجار المثمرة، والينابيع العذبة الرقراقة، وأنزلكم البعث من تللك الجنان إلى هذه المنطقة الحارة اليابسة، المحاطة بالأسلاك الشائكة، وكأنكم في سجن كبير!! إذا هذه منحة ربانية، وهدية إلهية لكم، فاصرفها على أولادك وأطفالك..

و كان إيماني يقول لي: لاتفكر في أكله أبدا، لأن المال لايخصك، ومااكتسبته بكد يمينك وعرق جبينك، إنما هو مال الآخرين، فحرام عليك أكله، هل تعلم يقينا أن هذا المال للبعثيين الذين ظلموك؟ فمن الممكن أن يكون لأحد الطيبين الذين يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، واقترض واستدان هذا المبلغ كي يشتري به شيئا بالمضاربة والمشاركة، فبدل أن يربح ويستفيد، ضيعه وخسر الأصل والفرع، وانكسر ظهره، ودمر بيته، وماذا لوكنت مكانه وفقدت هذا المبلغ؟ هل كان بودك أن يرده إليك أحد المحسنين؟! فكن أنت هذا المحسن، وهذا لايخص البعثيين حتى تقول: آخذه انتقاما منهم، ثم ماذا تقول أمام الله يوم الحساب؟!

تعجبتْ من هذا الصراع وقالت: فالنتيجة؟!

قلت: لاتستعجلي، استمر الصراع طوال هذه المدة، وكنت غارقا في التفكير والخيال، تأتيني أفكار متنوعة، كنت أخطط حينا لشراء الأقمشة بهذا المبلغ، وتبديل المحل من العطارية إلى البزازية، ولكن سرعان ما أندم، وأقول في نفسي: والله لا أفعل هذا، لأن الحرام يختلط بأموالي..

ومرة أخرى يأتي ببالي أن أشتري به مسكنا في المدينة، ثم أغير رأيى وأقول: رحى الحرب دائرة بين الإيران والعراق، فإذا قصفت وهدمت فسأخسرها، والله لا أشتريها..

وفي بعض الأحيان كنت أقول: أشتري به سيارة وأعمل بها، ثم أندم وأقول: إن السارة قابلة للاحتراق، فإذا احترقت مادا أفعل؟ وهكذا كنت أخطط وسرعان ما أندم.. كما يقولون: كنت أقدم رجلا وأؤخر أخرى.. ولم يستقر رأيى على شيء حتى يوم أمس الجمعة..

قالت: ولماذا البارحة بالضبط؟

قلت: ذهبت البارحة إلى صلاة الجمعة، والخطيب كان يتحدث عن يوم القيامة وأهوالها، والوقوف أمام الله والمحاسبة بين يديه، ونعيم الجنة وعذاب النار، وذكر حديثا ما معناه: ان الإنسان لايتحرك من مكانه حتى يسأل عن أربعة أشياء، منها المال، يسأل عنه كيف اكتسبه، وفيم أنفقه؟ فهذا عن مال الحلال، فما بالك بالحرام؟ فالويل لمن أنبت لحم أطفاله بلقمة الحرام!!

فتأثرت بكلام الخطيب ومواعظه، فجزاه الله خيرا، لقد غير مجرى تفكيري، وأصبحت قادرا على التصميم، ولذا قررت.

قاطعتني، وقالت: ماذا قررت؟

قلت: رد المال إلى صاحبه..

قالت بكل فرح وسرور: جزاك الله عنا خير الجزاء، أرجوك متوسلة الا تعطينا لقمة الحرام.. وحسب علمنا لم نأكل لقمة الحرام لحد الآن والحمد لله، لأن اللحم الذي ينبت بالحرام سيكون طعمة لنارجهنم..

# # #

كل هذا كان كلام الرجل الذي يقص لنا مادار بينه وبين زوجته، وكنا جالسين نستع إليه..

من هنا قال أحد الحاضرين: لو تفضلت بالسماح لنا أن نسمع هذا الكلام من على لسان زوجتك؟! لأن هذا الكلام يدل على عظمة أيمانها وكمال يقينها وكثرة تقواها..

قال:لاباس..ثم صاح بأعلى صوتها:(ئةسىَ، ئةسىَ)([7])

جاءت ( ئه سى)، وقالت: نعم.. ما ذا تريد يارجل؟

قال لها: حينما قلت لكِ في تلك الليلة: أريد إرجاع اللقطة إلى صاحبها، ماذا قلت أنت؟!

قالت: قلت " أرجوك ألا تطعمنا لقمة الحرام، وجزاك الله ألف خير.. ثم قالت: قلت له: هل تتذكر يارجل! حين كنا نعيش في الفقر والبؤس أيام زمان، ونحن الأن نعيش عيش كفاف وزيادة، والحمد لله..؟ هل تتذكر تلك السنة التي أحرقت الدولة قريتنا، وأشعلت النيران في منازلنا- عام ثلاثة وستين- وأصبحنا مشردين بلا مأوى؟ وتوجهنا مضطرين نحو الكردستان الشرقية، وكان المبلغ المتبقي لنا من جميع ثروتنا ستين دينارا فقط، فضيعناه و فقدناه، ولو رده الينا الذي وجده لدخل سبعة أجداده إلى الجنة؟ وقلت له أيضا: أكرر لك شكري الجزيل على هذا التصميم الرجولي الذي اتخذته، ولكن كيف ترده، وتعيده إلى صاحبه؟ هل تعرف الذى ضاعه؟ هل تدري لمن يعود المال؟

# # #

نعم بأم آذاننا سمعنا من تلك المرأة الرشيدة، التي نطقت بهذه الكلمات الإيمانية النابعة من قلب مملوء بالتقوى- ولانزكي أحدا على الله – ثم قامت و ذهبت إلى أعمالها المنزلية الخاصة..

وفي تلك المدة كان صاحبنا – بطل القصة – ساكنا ساكتا، فطال علينا سكوته، كأنه أراد بذلك أن يرى ماذا نفعل أو ماذا نقول؟ أو كأنه أراد أن يتنفس قليلا ويأخذ راحته مدة، لأنه تعب من سرد القصة وبيان أحداثها..وكنا جالسين حوله، وكل جسمنا أصبح أذناصاغية لسماع ما تبقي من أحداث القصة، ولما طال السكوت قال له أحد الحاضرين: كاك حسن! بعد أن قررت رد المال ماذا فعلت؟

فابتسم قليلا –كأنه أراد بذلك أن يقول: لاتستعجل كي أتنفس قليلا – ثم شرع بكلامه قائلا: نعم، في اليوم التالي ذهبت إلى خطيب الجامع وقلت له: وجدت لقية، وهي عبارة عن كمية كبيرة من الأوراق النقدية، أرجو من فضيلتكم إعلانها للناس يوم الجمعة القادمة، ومن فقدها فليبين أوصافها، كي أردها اليه..

فرحب بطلبي، ووعد بإعلانها بين المصلين يوم الجمعة جزاه الله خيرا، ثم ذهبت إلى مدينة (سه نكَه سه ر)، و توسلت بمؤذن الجامع أن يعلن عنها يوم الجمعة، فوعدني بإعلانها مشكورا..وفي اليوم الثاني سافرت إلى مدينة (قةلعة دزة)([8])، وذهبت إلى خطيب جامع خانقاه، بعد عرض المسألة عليه طلبت منه إعلانها بين الناس فتعهدني مشكورا بإعلانها يوم الجمعة..

أذيع الخبر يوم الجمعة من على منابر الجوامع الثلاث.. وإثر هذا الإعلان جاء الناس إلي زرافات وجماعات، فمنهم من قال :إني ضيعت عشرين دينارا..

والآخر يقول: وقع مني خمسون دينارا..والثالث يقول: فقدت ثمانين دينارا مع دفتر الخدمة العسكرية.. و هكذا.. فلم يجدوا ضالتهم.. ورجعوا إلى من حيث أتوا..

# # #

وبعد أن شرب كأسا من الماء شرع بكلامه وقال: وبعد مدة سمعت أن رجلا في مدينة (كؤية) ([9]) اسمه ( مجة عه ره ب) أي: مصطفى عرب، عنده دراهم ملكية قديمة، وهذه الدراهم من المسكوكات الفضية، كان الناس يبيعونها للإيرانيين وفيها ربح كبير، فذهبت إلى (كوية) لشراء تلك الدراهم، حينما وصلت المدينة ذهبت إلى محل مصطفى، وبعد أداء التحية والسلام طلبت منه أن يبيعني ما عنده من الدراهم الفضية، ولكنه امتنع وأبى، قلت له: ياعمي! سأعطيك لكل درهم خمسة عشر درهما ([10]).

قال: حتى لو تعطينى لكل درهم ألف درهم لن أبيعك درهما!!

قلت: لماذا يا عبد الله؟!

قال: لأنها ليست ملكي، وإنما يعود إلى غيري، ولايجوز لى التصرف في ملك الآخرين بغير إذذنهم..

ثم أشار إلى زاوية من زوايا محله التجاري وقال: هل ترى ذاك الكيس؟ وكان كيسا مملوءاً..

قلت: نعم..

قال: وجدته لقية منذ خمس سنين، ولم أجد صاحبه لحد الآن..فآتي به صباحا إلى المحل، وأعود به مساءاً إلى البيت، وما تجرأت أن أتصرف فيه، ولو أنه يجوز لي شرعا..وما أردت أن يأكل أهلي و أطفالي لقمة الحرام، ولم أستملكه لحد الآن..

وكلامه هذا دفعني دفعة قوية لأخبره عما وجدته.. ولذا قلت له: ياعم! أنا وجدت أيضا مبلغا كبيرا من المال والأوراق النقدية، وأعلنت عنها في الملأ العام، وفي عدة أماكن مختلفة ومزدحمة، ولم أجد صاحبها لحد الآن.. وأنا لاأعرف أحدا في هذه المدينة، وإذا استطعت أن تعلن عنها للناس أما بواسطة مكبرات الصوت، أو عن طريق إمام الجامع الكبير، أو بأية طريقة أخرى ساكون مشكورا لكم، عسى ولعل أن أدخل السرور في قلب من فقدها، و ضيعها..

لما سمع الرجل كلامي أعجب به وفرح كثيرا، ثم قال: على عيني وعلى رأسي، سأعلن عنها يوم الجمعة إن شاء الله، ثم أعطيته عنواني كاملا، وقلت له علما بأن الأوراق النقدية تزيد كثيرا عن خمسة آلاف دينار عراقي، ثم ودعته وتركته، ولم أستطع شراءالدراهم الفضية التي سافرت لأجلها. ثم رجعت من حيث أتيت..

بعد أسبوع من هذا السفر، رأيت رجلا ضعيفا نحيفا، وبصحبته غلام يافع، يقبلان صوب دكاننا، وتبدو على محياهما الحزن والكآبة، وبعد مجيئهما للمحل، وشراء شيء بسيط، سألني الرجل: هل هذا محل السيد حسن جاسم؟

قلت: نعم، تفضل..

قال: سمعنا أن (مضة عةرب) في كوية أعلن قبل أسبوع: بأن حسن جاسم في (به سته سين) وجد لقية كبيرة، و من ضاعها فليذهب إليه، وليبين له أوصافها، ويعدد شاراتها وعلاماتها ليردها إليه. وها أنا ضيعت مبلغا كبيرا، ودنانير كثيرة، وأوضح لك أوصافها، فإذا كانت متطابقة لما عندك فارجعها إلىَ، وإن لم يكن كذالك سأعود ألى شغلى وعملي.

قلت: أهلا وسهلا.. تفضل..

قال: ضاعت مني تسعة آلاف وخمس مائة وخمس وعشرون دينارا..

ولم يذكر الربع المختوم الذي كان مع المبلغ. قلت في نفسي: من الأفضل اختبار الرجل قبل أي قرار، لأنه يحتمل أن يكون كاذبا، وحينما سمع بهذا الخبر ذهب إلى الكهنة والسحرة أو ماشابههما وأخبره بشيء قريب مما وجدته. ويحتمل أن يكون صادقا في كلامه أنه فقد المال.. إذا أخبره المشعوذون فسيتبين..وإذا كان حقا هومالكه، فسأستدرجه حتي لا يصاب بالمفاجئة.. لأن يعض الناس يصابون بالشلل إذا فوجئوا بالخبر السار.. ولذا قلت له ياعمي! إن وجدت مبلغا كهذا.. كيف أرده لصاحبه؟!

قال: لا، لاتقل ذلك.. لأنني لدي تجربة خاصة، وهي: أن الذي يرد دينارا إلى صاحبه يرد مائة، ومن يرد مائة يرد ألفا، ومن يرجع ألفا يرجع عشرة آلاف أيضا.. وهكذا.

قلت: ياعم! هذه الأوصاف غير مطابقة مع ماوجدته..

قال: حسناً.. وأنا لا أريد مال غيري.. إذا استودعكم الله.. والسلام عليكم ..

قلت: مع ألف سلام وسلام.. في أمان الله وحفظه.. لما ذهب غير بعيد ناديته فرجع..طلبت منه أن يعيد أوصاف ماله الضائع..

فاشتد غضب الرجل، وقال لى بالحرف الواحد: أما تستحي يا رجل! ألا تخجل! أتستهزئ برجل مثلي في هذا العمر وسن الشيخوخة؟!

قلت: لا تغضب، ياعمي! والله لم أقصد بهذا الكلام استهزاء بك، وكن مطمئنا أنا لم أستهزئ بأحد- هو أكبر مني بشهر واحد- طوال حياتي.. ولكني وددت أن أتأكد من كلامك، ولذا ناديتك.. فأعاد الرجل أوصاف ما فقده مرة أخرى.. ولم يكن للربع أثر في كلامه..فقلت له: متأسفا..إن ما تذكره لايتطابق مع ما وجدته..

قال: يا أخي ! والله أنا لاأريد أيضا إذا لم يكن هو.. صدقني وكن على ثقة تامة: لم يختلط درهم حرام برأسمالي عمدا طوال حياتي..لذا فانا ذاهب .. والسلام عليكم..

أراد أن يذهب ، ولكن أخذت يده بقوة.. وقلت له: لا أسمح لك بالذهاب إلا أن تتغذى معنا اليوم..

قال: يا عزيزي أشكرك على كرمك .. ولكن عندي مواعيد وأعمال لابد أن أذهب.. أتركني..لدي أشغال..

قلت: لا.. لا أتركك، لابد أن تبقى معي لغداء اليوم.. و إن الله كريم..

قال: آمنت بالله أنه كريم..ولدي يقين بأنه رحيم.. ولكنني... منعته من اتمام كلامه.. وأبقيته جبرا إلى وقت الغداء..

في تلك المدة تحدثنا كثيرا، وأثناء الحديث قلت له سائلا: إن لهجتك تغاير لهجتنا، فكيف فقدت نقودك هاهنا؟

قال: سؤال موجه، وكلام صحيح..أنالست من أهل منطقتكم..أنا من سكنة كركوك.. ومهنتي شراء قطعان البقر وبيعها، جئت قبل مدة إلى مجمع (ثيَمالك)([11]) ورأيت قطيع بقر فاشتريتها، ولم يكن معي ثمنها، غير أن البائع كان يعرفني و تربطنا معا علاقة صداقة وتجارة.. ولذا قال لي: لابأس خذها، وأت بثمنها بعد بيعها..

فاتفقنا على أن أسلمه المبلغ في أقرب فرصة بعد البيع..

نعم، أخذت القطيع إلى كركوك وبعتها على عجل، وربحت منها كثيرا- والحمد لله – وفي الرجعة تأخرت يوما عن الموعد المقرر، وذلك لتحويل الدنانير إلى فئة خمس وعشرين دينار، لأنه هو وصاني بذلك، فلما وصلت إلى بيتهم، وسألت عنه، قالت لي زوجته: إنه غير موجود، وذهب إلى كركوك! فاقتيت إثره قاصدا مدينتنا مدينة كركوك، ولكن حين وصلنا مجمع( توة سووران)([12]) قال ابني: يا أبتي! حين خرجنا من كركوك وصتك والدتي أن تشتري لها (سماور)اً نفطيا، وهذا هو..نزلنا من السيارة وتجولنا لاختيار ماهو أجود وأحسن، وفي هذه الأثناء سلم علي رجل وقال: ياحاج! عصاك تدل على أنك تشتري الحيوانات؟

قلت: نعم..

قال: عندنا قطيع من البقر في منطقة (كاني قولكة)() تعال معنا كي نبيعكها.. فاستولى الطمع علي، فوافقت الذهاب معهم إلى هناك، ولكن حين وصلناهناك رأينا أن شريكهم الآخر قد باعها بمجموعة منجزاري قصبة رانية.. فما كانت من نصيبنا، جلسنا هناك مدة ثم ذهبنا إلى (ضوارقورنة)، وهناك شعرت بقدان المبلغ..فعدت إلى المكان الذي كنا جالسين فيه، ولكن دون جدوى.. فما وجدت أثرا للمال، ورجعت إلى كركوك خائبا..لما سمعت أنه أذيع هذا الخبر في كويه، قلت في نفسي: والله أنا ذاهب إلى هناك عسى ولعل أن تكون ما فقدناها.. وها هو أنا جالس من عندك..



قلت: إذن بسبب شراء الحيوانات وصلت إلى هذه المنطقة؟

قال: نعم..

فوجدت أن الدلائل كلها تشير إلى أنه هو صاحب (اللقطة)، و لذا قلت له: ياعم! هل تعرف منديلك إذا رأيته؟

قال: نعم..

فذهبت إلى المطبخ وأخرجت ما دفنته في الحفرة.. ثم أخذت معي المنديل فارغا..فلما رآه الرجل احمرت وجنتاه، بعد أن كانتا مصفرتين، وظهر الفرح على محياه، وترطبت شفتاه، بعد أن كانتا يابستين، فقال: إي والله.. هذا هو منديلي..

قلت له ياعم! الذي تذكره لايوافق مع ماوجدته..

من هنا بدأ ابنه بالكلام وقال: يا أبتي! أعتقد إن مبلغنا كان معه ربع دينار أيضا..

قال: أي والله.. صدقت يا بني، نعم انه مختوم بختم أزرق أيضا..

قلت: إذن أهنئكم، والآن لم يبق لدي أدنى شك بأن المال مالكم، فجئت به ووضعته أمامهم..

وعم الفرح والسرور الجميع، وبعد أن عدّ ماله أخرج منه ألف دينار، ووضعه أمامي قائلا: أرجو أن تقبل هذه كهدية .

بعد أن شكرته على كرمه، رفضت قبوله.. ولكنه ألح علي كثيرا لآخذه منه.. وكنت مصرا على رفضه..

ثم قال: ياعزيزي! فليكن حلالك مثل حليب أمك..

فشكرته كثيرا وقلت له: ياعمي! لست بحاجة إليه، والحمد لله.. أنعم الله علي كثيرا.. وكن على ثقة أنا لم أعيده إليك من أجل الهدية والعطية، إنما أرجعته لله..

ثم أخبروني بأن الزبائن يريدونك في المحل..فذهبت إليهم..

وعند العودة الى المنزل، قالت لي زوجتي: خذ مني هذا المبلغ الذي أعطاني الرجل وقال: إنه يخص السيد حسن.. فأخذته منها.. ولم أتحدث حوله.. إلى أن خرجنا من المنزل إلى المحل.. هناك قلت له: أين وعاء فلوسك؟

فوضعها أمامي وقال: هاهي تفضل..

فأخذتها وفتحتها والقيت فيها المبلغ المذكور..

وهو يلح أن آخذ منه .. وأنا ألح أن لا آخذ منه..لما عرف الزبائن المجتمعون أمام باب المحل المسألة، ساندوه أيضا وألحوا علي أن آخذه، وكانوا يقولون لي: وهذا ليس فيه أدنى شبهة حرام، لأنه يعطيك بكمال رغبته، لم لا تأخذه منه؟

قلت لهم: يا إخوان! أنا أدري جيدا إنه يحل لي إذا أخذته منه، أما والله لم أرده اليه لأجل العطية والهدية، إنما أرجعته لرضاء الله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. [13].

# # #

تمت




--------------------------------------------------------------------------------

[1] - حذاء محلي تصنع من جلد البقر، و بقايا المطاط من عجلة السيارات. حذاء قوية للمناطق الجبلية الوعرة..

[2] - ناحية تابعة لقضاء رانية في محافظة السليمانية..

[3] - ( كاني قولَكة) منطقة زراعية جنوبي مدينة رانية..

[4] - سةنكَةسةر: ناحية تابعة لقضاء بشدر في محافظة السليمانية.

[5] - بةستةسيَن: مجمع كبير من المجمعات القسرية التي صنعها دكتاتور العراق في حينه لتهجير السكان، والقضاء عليهم..ثم دمرها.

[6] - كان الدينار العراقي في ذلك الوقت يساوي 3 دولارات أمريكية رسميا.

[7] - أسم زوجته، وباللغة الكردية تعني: النجمة.

[8] - مركز قضاء(ثشدةر) ومدينة كبيرة تابعة لمحافظة السليمانية في كردستان العراق، دمرها البعثيون.

[9] - مركز قضاء (كؤيسنجةق)، ومدينة كبيرة من مدن محافظة أربيل.

[10] - الدرهم الملكي لم يبق كدرهم رائج، وهذه الزيادة التى حصلت لزيادة قيمة الفضة في الأسواق العالمية..

[11] - مجمع سكني كبير في شرقي مدينة قلعة


به‌ر له‌وه‌ی په‌یامه‌که‌ت بنووسی ئه‌م خاڵانه‌ بخوێنه‌وه‌:
.: په‌یامه‌که‌ت په‌یوه‌ندیدار بێت به‌ بابه‌تی سه‌ره‌وه‌
.: تێبینی و ڕه‌خه‌نه‌که‌ت بابه‌تیانه‌ بێت و دوور بێت له‌ قسه‌ی ناشیرن
.: نووسینه‌که‌ت به‌ کوردی بێت
.: شێوازی نووسینه‌که‌ت ئارامی بێت و لاتینی نه‌بێت
.: پرسیار یان نامه‌ی تایبه‌ت نه‌بێت
.: به‌ڕێوبه‌ڕ سه‌ربه‌سته‌ له‌ بڵاوکردنه‌وه‌ یان نه‌کردنه‌وه‌ی په‌یامه‌که‌ت پاش هه‌ڵسه‌نگاندی